عبد الشافى محمد عبد اللطيف

59

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

[ البحث الثاني ] صدى الدعوة في مدن الحجاز غير مكة - كالطائف والمدينة * الحالة الدينية في الحجاز قبيل ظهور الإسلام : شبه جزيرة العرب - بصفة عامة - من أولى بقاع الأرض التي عرفت الأديان السماوية ، فكل الرسالات التي عرفها تاريخ البشرية نزلت على رسل ، إما نشؤوا في شبه جزيرة العرب أو على مقربة منها . ومهما حاولنا تعليل اختصاص اللّه سبحانه تعالى هذه البقعة من الأرض برسالات السماء وتشريفها بها ، فلن نصل إلى كنه الحقيقة ؛ لأن اللّه وحده هو الذي يعلم حيث يجعل رسالته . ومع هذا فإن شبه الجزيرة العربية ، كانت بصفة عامة تعيش ، قبيل ظهور الإسلام ، عهدا وثنيّا ، فكيف يتفق هذا مع كونها مهدا للأديان السماوية ، ومن أين جاءتهم الوثنية إذن ؟ القصة المشهورة هي أن عمرو بن لحي الخزاعي هو أول من أدخل الوثنية إلى بلاد العرب « 1 » ، نقلها من الشام إلى الحجاز ، ومن ثم انتقلت إلى بقية بلاد العرب « 2 » ، ولكن يبدو أن هذه القصة ليست حقيقة تاريخية . فمن تتبع قصص الأنبياء الذين نشؤوا في شبه الجزيرة العربية في القرآن الكريم ، يتضح لنا أنها عرفت الوثنية بأشكال متعددة قبل أن تعرف رسالات السماء ، فعندما تقول عاد - وهم من العرب البائدة الموغلة في القدم - لهود عليه السّلام : يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [ هود : 53 ] . فمعنى ذلك أنهم كانت لهم آلهة وثنية يعبدونها ، وأن بلاد العرب عرفت الوثنية قبل قصة عمرو ابن لحي . ولما امتنّ اللّه على هذه البلاد برسالات السماء آمن بها من آمن ، وظل على وثنيته من ظل إلى أن كانت رسالة إبراهيم وإسماعيل عليهم السّلام في إقليم الحجاز وعاشت زمنا طويلا . وبتطاول الزمن نسي الناس ، إلا قليلا منهم ، هذه الرسالات السماوية ، وعادوا أدراجهم إلى الوثنية ، ولم يبق من رسالات السماء في الحجاز إلا ظل باهت ، ظل في عقول بعض الرجال الذين أدركوا فساد عبادة الأوثان ، ومنافاتها حتى للكرامة الإنسانية « 3 » .

--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة ( تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ( 1 / 81 ) وما بعدها ، وابن كثير - البداية والنهاية ، بيروت : مكتبة المعارف ) ( 2 / 187 ) . ( 2 ) لم تكن كل شبه الجزيرة العربية وثنية ، فقد كانت النصرانية في نجران واليهودية في يثرب وشمال الحجاز في القرى اليهودية هناك . ( 3 ) يمثل هذا الفرق من الذين رفضوا الوثنية ولكنهم حاروا في كيفية الوصول إلى حقيقة الألوهية ، ورقة -